ابن كثير

326

قصص الأنبياء

يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم ، أي ظهر لهم من الرأي ( 1 ) بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ; ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية ، وأحمد لأمرها ، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها ، فسجنوه ظلما وعدوانا . وكان هذا مما قدر الله له ، ومن جملة ما عصمه به ; فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم . ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي : أن من العصمة أن لا تجد ! . قال الله : " ودخل معه السجن فتيان " : قيل : كان أحدهما ساقى الملك واسمه فيما قيل " نبوا " والآخر خبازه ، يعنى الذي يلي طعامه ، وهو الذي يقول له الترك : " الجاشنكير " واسمه فيما قيل " مجلث " وكان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما . فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته ( 2 ) وهديه ، ودله وطريقته ، قوله وفعله ، وكثرة عبادته ربه ، وإحسانه إلى خلقه ، فرأى كل واحد مهما رؤيا تناسبه . قال أهل التفسير : رأيا في ليلة واحدة . أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة ( 3 ) وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب ، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه . ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز ، وضواري الطيور تأكل ( 4 ) من السل الاعلى .

--> ( 1 ) ا : المرائي . ( 2 ) ا : سيمته . ( 3 ) الحبلة : الكرمة . ( 4 ) ا : تأخذ .